محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
60
الآداب الشرعية والمنح المرعية
لعانا ولا منتقما لنفسه وفي الحديث أنهم قالوا ادع على دوس فقال : " اللهم اهد دوسا " 1 " - وقال - اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " " 2 " . وقال ابن عقيل في الفنون أن المراد عند فورة الغضب لأمر يخصه أو لردع يردعه بذلك الكلام عن التجرؤ إلى فعل المعصية لا لعنه في الخمر لأنه تشريع في الزجر إلا أن يكون أراد رحمة فإنه يحتمل احتمالا حسنا لأن لعنته عند من لعنه غاية في المنع عند ارتكاب ما لعنه عليه وتوبته فسمى اللعنة رحمة حيث كانت آيلة إلى الرحمة . قال الشيخ تقي الدين بن تيمية كلامه المتقدم . وقال ابن الأثير في النهاية في قوله : إن رجلا اعترض النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يسأله فصاح به الناس فقال : " دعوا الرجل أرب ماله " " 3 " قيل أرب بوزن علم ومعناها الدعاء عليه أي أصيبت آرابه وسقطت وهي كلمة لا يراد بها وقوع الأمر كما يقال : تربت يداك وقاتلك اللّه ، وإنما يذكر في معرض التعجب وفي هذا التعجب من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قولان : أحدهما : تعجبه من حرص السائل ومزاحمته . والثاني : إنه لما رآه بهذه الحال من الحرص غلبه طبع البشرية فدعا عليه وقد قال في غير هذا الحديث " اللهم إنما أنا بشر فمن دعوت عليه فاجعل دعائي له رحمة " " 4 " وقيل معناه احتاج فأل : من أرب الرجل يأرب إذا احتاج . ثم قال : " ماله ؟ " أي شيء به ؟ وما يريد ؟ ( والرواية الثانية ) أرب بوزن جمل أي حاجة له وما زائدة للتقليل أي له حاجة يسيرة ، وقيل معناه حاجة جاءت به ، فحذف ثم سأل وقال " ماله " . ( والرواية الثالثة ) أرب بوزن كتف والأرب الحاذق الكامل أي هو أرب فحذف المبتدأ ثم سأل فقال : " ماله " . أي ما شأنه . وهذا أحسن من إعلامه فإن في إعلامه زيادة إيذاء له فإن تضرر الإنسان بما علمه من شتمه أبلغ من تضرره بما لا يعلم . ثم قد يكون ذلك سبب العدوان على الظالم أولا إذ النفوس لا تقف غالبا عند العدل والإنصاف ، فتبصر هذا ففي إعلامه هذان الفسادان . وفيه مفسدة ثالثة ولو كانت بحق وهو زوال ما بينهما من كمال الألف والمحبة أو تجدد القطيعة والبغضة واللّه تعالى أمر بالجماعة ونهى عن الفرقة . وهذه المفسدة قد تعظم في بعض المواضع تعالى أمر بالجماعة ونهى عن الفرقة . وهذه المفسدة قد تعظم في بعض المواضع أكثر من بعض وليس
--> ( 1 ) متفق عليه . أخرجه البخاري ( 2937 ) ومسلم ( فضائل الصحابة / 198 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3477 ) . ( 3 ) هو في الصحيحين : البخاري ( 5983 ) ومسلم ( 13 ) . ( 4 ) أخرجه مسلم ( 2600 ) عن عائشة ، و ( 2601 ) عن أبي هريرة ، و ( 2602 ) عن جابر .